حسن الأمين
97
مستدركات أعيان الشيعة
( علم الكيمياء ) هو أن نصل إلى المادة الصابغة التي تحيل الفضة ذهبا أو تحيل النحاس فضة وهكذا . على أننا نجد لابن حيان تصنيفا آخر للعلوم ( 1 ) ، إذ يصنفها سبعة أصناف ، يجعل علم الصنعة واحدا منها ، وهي : 1 - علم الطب ، 2 - علم الصنعة ، 3 - علم الخواص ، 4 - علم الطلسمات ، 5 - علم استخدام الكواكب العلوية ، 6 - علم الطبيعة ، 7 - علم الصور وهو تكوين الكائنات . ويفيض ابن حيان القول في كل علم من هذه العلوم السبعة المختلفة ، ليبين في كل علم منها أقسامه الفرعية ووسائله وأهدافه وما إلى ذلك . فتراه - مثلا - يقسم علم الطب قسمين أساسيين : نظري وعملي ، ثم يقسم كلا من القسمين قسمين : أحدهما يعني بالعقل أو بالنفس ، والآخر يعني بالجسم ، وعند حديثه على طب الجسم يلجا إلى تحليل الجسم إلى عناصره ، وتشريحه إلى أعضائه في استفاضة وأطناب مما لا يتسع المقام لذكره مفصلا ( 2 ) ، فمن قبيل كلامه في التشريح قوله : « الإنسان مركب من أربعة وثمانين ألف قطعة كبار وصغار ، وجميعها يقال لها أما عظم وإما عضل وإما عصب وإما شريان وإما وتر وإما ليف وإما غضروف وإما عظام سمسمانية يقال لها السلامي في لغة العرب وإما ظفر وإما جلد . . . » ثم يمضي في ذكر أجزاء كل من هذه الأقسام ( 3 ) . ويقول كذلك إن الأعضاء الرئيسية في الإنسان أربعة : الدماغ والقلب والكبد والأنثيان ( ؟ ) ، والأخلاط في بدن الإنسان أربعة أنواع : البلغم ويقابل الدماغ ، والصفراء وتقابل الكبد ، والدم ويقابل القلب ، والسوداء وتقابل الأنثيين ( ؟ ) . وهذه العلل بدورها تقابل العناصر الرئيسية الأربعة : الماء ، والنار ، والهواء ، والأرض ، فالماء للدماغ ، والنار للقلب ، والهواء للكبد ، والأرض للأنثيين ( ؟ ) . والعناصر الأربعة بدورها تقابل الكيفيات الأربع : الرطوبة للماء ، والحرارة للنار ، والبرودة للهواء ، واليبوسة للأرض ، على أن هذه الكيفيات الأربع هي في الحقيقة مركبات ، كل منها مركب من عنصرين أساسيين على الوجه الآتي : البرودة الرطوبة - ماء . الحرارة اليبوسة - نار . الحرارة الرطوبة - هواء . البرودة اليبوسة - أرض . وصحة الجسم هي في اعتدال هذه الأشياء كلها في مزاج متزن . وفي أقسام الدماغ يقول جابر انها ثلاثة : الأول هو المسامت للوجه ويقال له بيت الخيال ، والأوسط وهو بيت الذكر ، والثالث في مؤخرة الدماغ ويقال له بيت الفكر ، وأي هذه فسد فسد ذلك الشيء المحدود به ، حتى يفسد الخيال والفكر والذكر ( 4 ) . وهكذا يتناول جابر أجزاء الجسم التي ذكرها أول الأمر مجملة فيحللها إلى أقسام والأقسام إلى أقسام فرعية وهكذا . وبمثل هذه الإفاضة يتحدث عن بقية العلوم السبعة : علم الصنعة ، وعلم الخواص ، وعلم الطلسمات ، وعلم استخدام الكواكب العلوية ، وعلم الطبيعة ، وعلم الصور ، مما سيرد ذكره في مواضعها المناسبة في هذا الكتاب . سر اللغة وسحرها اللغة والعالم : سؤال طرحه الفلاسفة على أنفسهم طرحا صريحا أو متضمنا ، وما يزالون يطرحون إلى يومنا هذا ، وهو هذا : إلى أي حد نستطيع أن نستدل طبيعة العالم الخارجي من طبيعة اللغة التي نتحدث بها عن ذلك العالم ؟ ها نحن أولاء قد أنشانا لأنفسنا مجموعة ضخمة من رموز - هي الكلمات - واتفقنا معا على الطريقة التي نبني بها هذه الرموز فتكون جملا مفهومة ينطق بها المتكلم فيفهم عنه السامع ، وواضح أن هذه المجموعة الرمزية الضخمة - وهي تختلف باختلاف الجماعات البشرية ، إذ أن لكل جماعة منها لغتها الخاصة بها في عمليات التفاهم بين أبنائها - واضح أن هذه المجموعة الرمزية الضخمة - أعني اللغة - ليست هي نفسها الأشياء التي جاءت تلك الرموز لترمز إليها ، فليست « كلمة » [ حبز ] خبز هي الخبز نفسه الذي يؤكل ، ولا « كلمة » الماء هي الماء الذي يروي الظما ، فالرمز اللغوي شيء والمرموز إليه شيء آخر ، وإذا ما تكاملت لدينا لغة للتفاهم ، كان لدينا جانبان مختلفان هما : هذه اللغة من ناحية ، ثم العالم الخارجي الذي نتحدث عنه بهذه اللغة من ناحية أخرى ، أقول أن هذه الثنائية بين رموز اللغة وبين أشياء العالم الخارجي المرموز إليها برموز اللغة ، هي من الوضوح بحيث لم تكن تستدعي منا ذكرا وتوضيحا ، ولكن ما ظنك وهذه الحقيقة الواضحة كثيرا ما تحتاج إلى لفت الأنظار إليها ، ثم هذه الأنظار لا تلتفت إلا بعد جهد شديد ؟ فكأنما اللغة هواء شفاف لا يحجب الأشياء التي وراءه ، فنحسب ألا هواء بيننا وبين تلك الأشياء . ونعود بعد هذا إلى سؤالنا الأول : إلى أي حد نستطيع أن نستدل طبيعة العالم الخارجي من طبيعة اللغة التي أنشاناها لنرمز بها إلى ذلك العالم ؟ في هذا يختلف الفلاسفة - أو معظمهم - فينقسمون ازاءه فئات ثلاثا : 1 - فريق يستدل خصائص العالم من خصائص اللغة ، فإن كان تركيب الجملة - مثلا - لا يكون إلا بتوافر جانبين ، هما : المسند إليه من جهة والمسند من جهة أخرى ، فلا بد أن تكون أشياء العالم على هذا النحو من التأليف ، فيكون لكل شيء جوهره من جهة والخصائص التي تطرأ على ذلك
--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 48 . ( 2 ) المرجع السابق من ص 51 إلى ص 60 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 55 - 56 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 56 .